سيد محمد طنطاوي

223

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

والجمع في قوله - تعالى - : * ( أُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ ) * باعتبار دخول الأتباع تباعا : ومراتب التقوى متفاوتة ، ولرسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلم أعلاها . . . « 1 » . ثم بين - سبحانه - ما أعده لهؤلاء المتقين من نعيم فقال * ( لَهُمْ ما يَشاؤُنَ عِنْدَ رَبِّهِمْ . . . ) * . أي : لهؤلاء المتقين كل ما يشاؤنه عند ربهم ومالك أمرهم ، بسبب تصديقهم للحق ، واتباعهم لما جاءهم به رسولهم صلَّى اللَّه عليه وسلم . وفي قوله : « عند ربهم » تكريم وتشريف لهم . وقوله : * ( ذلِكَ جَزاءُ الْمُحْسِنِينَ ) * أي : ذلك الذي ذكرناه من حصولهم على ما يشتهونه ، جزاء من أحسنوا في أقوالهم وأفعالهم . ثم بين - سبحانه - جانبا من مظاهر تكريمه لهم ، ورحمته بهم فقال : * ( لِيُكَفِّرَ اللَّه عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا ، ويَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ ) * . واللام في قوله : « ليكفر . . . » متعلقة بمحذوف ، أي : أعطاهم - سبحانه - ما أعطاهم من فضله ورحمته ليكفر عنهم أسوأ الذنوب التي عملوها ، كالكفر قبل الإسلام ، بأن يغفر لهم ذلك ولا يؤاخذهم عليه . وإذا غفر اللَّه - تعالى - لهؤلاء المتقين أسوأ أعمالهم ، غفر لهم - بفضله ورحمته ما هو دونه بالطريق الأولى . « ويجزيهم أجرهم » أي : ويعطيهم ثواب أعمالهم « بأحسن الذي كانوا يعملون » أي : يعطيهم في مقابل عملهم الصالح في الدنيا جنات فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر . وعلى هذا التفسير يكون قوله - تعالى - : أسوأ وأحسن ، أفعل تفضيل حيث كفر - سبحانه - عنهم أسوأ أعمالهم ، وكافأهم على أعمالهم بما هو أحسن منها وهو الجنة . وهذا منتهى الفضل والإحسان من اللَّه - تعالى - لعباده المتقين ، حيث عاملهم بالفضل ولم يعاملهم بالعدل . ومنهم من يرى أن قوله : أسوأ وأحسن ، بمعنى السيئ والحسن ، فيكون أفعل التفضيل ليس على بابه ، وإلى هذا المعنى أشار صاحب الكشاف بقوله : ما معنى إضافة الأسوأ والأحسن إلى الذي عملوا ؟ وما معنى التفضيل فيهما ؟ .

--> ( 1 ) تفسير الآلوسي ج 24 ص 2 .